الدستور العراقي وأثره على النظام السياسي وصنع القرار

الدستور العراقي وأثره على النظام السياسي وصنع القرار

بقلم: عبدالطيف الزبيدي

أن الدستور هو أهم وثيقة في حياة الشعوب، فهو القانون الأساسي حيث يعتمد عليه سن جميع القوانين الأخرى، وهو العقد الاجتماعي بين الشعب والسلطة الحاكمة، وتنظيم العلاقة بين الحكام وأبناء الشعب. لذا فإن كتابته بنجاح تحتاج، إلى توفر عوامل مهمة:

 1- الإستقرار السياسي، إذ لا يمكن كتابة الدستور في مرحلة الغليان الشعبي والفوضى والتحولات السياسية والاجتماعية المتسارعة كالتي يشهدها العراق منذ احتلاله في 9/4/2003.

2- توافر الخبرة والاختصاص لدى القائمين بإعداده وكتابة مسودته.

3- أن يُمنَح القائمون بكتابته وقتاً كافياً، سنوات بدلاً من أشهر، ودون استعجال.

جاءت كتابة مسودة الدستور العراقي في ظروف سياسية وأمنية غير طبيعية، الأمر الذي كان له آثار واضحة على بنود هذه المسودة المثيرة للجدل. مما جعلته عبارة عن قنبلة موقوتة بين فترة و اخرى يثير انفجارها زوبعة من المشاكل بين الأطراف الحاكمة مما يؤثر سلباً على حياة المواطن البسيط , و ما يثير الدهشة هو ادعاء الاطراف المتنازعة بأنها ملتزمة بالدستور.

سيطرة الشيعة والأكراد على السلطتين التشريعية والتنفيذية وفقا لانتخابات كانون الثاني – 2005 التي قاطعها العرب السنة، أثرت بشدة في مراحل وآليات كتابة مسودة الدستور حيث مثلت هذه الانتخابات نقطة مفصلية في المشهد السياسي العراقي الذي كتبت مسودة الدستور متأثرة بمكوناته.

فقد أسفرت هذه الانتخابات التي قاطعها العرب السنة لعدم يقينهم بتوافر ضمانات النزاهة عن تشكيل الجمعية الوطنية الانتقالية في السادس عشر من آذار ثم الحكومة الانتقالية في الثامن والعشرين من نيسان، وهيمنت عليهما الكتلتان الفائزتان الشيعية والكردية، وهذا يعني أن السلطتين التنفيذية والتشريعية في العراق بأكمله أصبحتا تحت الهيمنة شبه الكاملة للشيعة والأكراد، الأمر الذي خلق حالة من الشعور بالتهميش والإقصاء لدى العرب السنة، وهو ما كان له الأثر الكبير في كل مراحل وآليات كتابة مسودة الدستور.

لجنة صياغة الدستور

كانت لجنة صياغة الدستور مشكلة في البداية من (55)عضوا هم على وجه التحديد:

(28) عضوا من قائمة الائتلاف العراقي الموحد المدعومة من آية الله السيستاني.

(15) عضوا من التحالف الكردستاني بزعامة جلال الطالباني ومسعود البارزاني.

(8) أعضاء يمثلون القائمة العراقية الموحدة بزعامة إياد علاوي.

(4) أعضاء يمثلون التركمان والآشوريين والمسيحيين واليزيديين.

أسماء أعضاء لجنه كتابه الدستور :

(1-احمد الصافي, 2- عبد الهادي الحكيم, 3- د. علي الدباغ, 4- د. حسين عذاب ثعبان, 5- جواد المالكي, 6- علي الاديب, 7- بهاء الاعرجي, 8- د. حنين القدو, 9- سامي عزارة ال معجون, 10- د. عبود العيساوي, 11- د. همام حمودي, 12 – اكرم الحكيم,

13 – جلال الدين الصغير, 14 – د. سعد قنديل, 15 – سامي العسكري, 16 – د. جواد سميسم, 17 – د. نديم الجابري,

18 – عباس البياتي, 19 – شيروان الوائلي, 20 – د. خضير موسى جعفر الخزاعي, 21 – علي الصافي, 22 – د. محسن القزويني, 23 – عقيله الدهان, 24 – زهراء الهاشمي, 25 –التفات عبد السياده, 26 – مريم الريس, 27 – ايمان الاسدي, 28 – ناجح عبد الامير, 29 – د. فؤاد معصوم, 30 – د. سعدي البرزنجي, 31 – فريدون عبد القادر, 23 – د. منذر الفضل,

33 – د. حسين الباليساني, 34 – عبد الخالق زنكنه, 35 – سامي احمد علي شبك, 36 – نيركز مجيد, 37 – دارا نور الدين,

38 – احمد وهاب مجيد, 39 – ديندار شفيق, 40 – احمد مجيد موسى, 41 – عادل ناصر, 42 – منيره عبدول, 43 – نوري بطرس, 44 – كاميران خيري سعيد, 45 – يونادم يوسف كنه, 46 – رياض كيهيه, 47 – عبد الرحمن النعيمي, 48 – قاسم داود, 49 – وائل عبد اللطيف, 50 – عدنان الجنابي, 51 – راسم العوادي, 52 – حسين الشعلان, 53 – د. رضا الخزاعي, 54 – ثامر الغضبان, 55 – طاهر البكاء.).

اسماء الاعضاء الذين جرى تصفيتهم غدرا وقتلهم من الارهابين في بغداد :

1- د. مجبل الشيخ عيسى الجبوري ، اغتيل يوم 19/7/2005 في بغداد

2- د. ضامن حسين عليوي العبيدي، عميد كلية الحقوق، جامعة صلاح الدين ، قتل يوم 19/7/2005 في بغداد.

ولم يكن في اللجنة من العرب السنة سوى عضوين فقط ضمن القائمة العراقية، وقد اثار ضعف تمثيل العرب السنة على هذا النحو سخطا وقلقا متزايدين ليس فقط في المحافظات ذات الأغلبية العربية السنية ولكن أيضا لدى دول الجوار لاسيما في السعودية وتركيا ومصر، وعند الأمم المتحدة، وامتد هذا القلق ليتردد صداه داخل الإدارة الأميركية نفسها بدءا من الرئيس جورج بوش الذي دعا إلى زيادة تمثل العرب السنة ووزيرة الخارجية كونداليزا رايس التي زارت العراق خصيصا لهذا الغرض، مرورا بالعديد من مراكز الدراسات الأميركية القريبة من صناعة القرار في البيت الأبيض، التي أكثرت من تحذيراتها وربطت في أغلب دراساتها بين زيادة الفوضى الأمنية واستمرار استبعاد العرب السنة من العملية السياسية. حينها تم اتخاذ قرار برفع عدد اللجنة من العرب السنة بأن يكون العدد 15 عضوا بمعنى اضافة 13 عضوا جديدا حيث سيكون تمثيل العرب السنة مساويا لعدد الاكراد (15 عضوا) اي بنسبة 21%”.

ومن جانبهم ,اقترح السنة العرب مشاركة 25 من ممثليهم في صياغة الدستور معتبرين ان هذه النسبة هي الحد الادنى الذي يمكن ان يوافقوا عليه، وهو ما اكده عدنان الدليمي رئيس الوقف السني والناطق الرسمي باسم المؤتمر التأسيسي الثاني لاهل السنة حينها

لوكالة الأنباء الفرنسية عندما قال “لقد قدمنا مذكرة متضمنة المبادئ العامة للدستور ورأينا في هذه المسالة هو ان لم يوافقوا على 25 عضوا سنطلب التحكيم بتشكيل لجنة تضم ممثلين عنا وعن الجمعية الوطنية وبحضور ممثلين عن الامم المتحدة”.

واكد ان “اي قرار ينتج من لجنة التحكيم سنوافق عليه” لكنه اضاف مهددا “وإذا لم توافق عليه الجمعية سنعلق مشاركتنا”.

وكان رئيس اللجنة الشيخ همام حمودي القيادي في المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق اكد ان اللجنة ضمت 69 عضوا هم النواب ال 55 الاعضاء فيها و13 ممثلا عن السنة وواحدا عن طائفة الصابئة المندائيين.

لم تكن رئاسة لجنة كتابة الدستور من ذوي الاختصاص في القانون الدستوري . و مما عزز من اوجه القصور في كتابة الدستور ان اغلب اعضاء اللجنة لا يمتلكون تخصصًا في القانون الدستوري ايضا . لذلك نلحظ عدم الدقة في اللغة و في استعمال المفاهيم و المصطلحات الدستورية . و اتسمت تلك النصوص احيانًا بالمصطلحات العاطفية او الميول السياسية او المذهبية او العرقية .

الاستفتاء على الدستور العراقي الجديد

حث الرئيس العراقي حينها جلال الطالباني المواطنين على الموافقة على مسودة الدستور الجديد عشية الاستفتاء الذي جرى. وأعرب في خطاب أمس عن أمله في أن يصوت العراقيون بغالبية لصالح قبول الدستور، للتعبير عن وحدة الموقف الوطني. ووجه نداء إلى السنة قائلا “إن طريق تحقيق مطالبكم المشروعة وحقوقكم ضمن العراق هو طريق النضال السياسي والجماهيري والاشتراك في البرلمان، وليس الإرهاب أو العنف أو المقاطعة”. ومن جانبه، قال متحدث باسم “البيت الأبيض” إن تصويت العراقيين سواء لصالح الدستور الجديد أو ضده سيدفع الديمقراطية قدما ويتحدى المسلحين. في المقابل، دعا رجال الدين السنة إلى التصويت بـ “لا” على رغم أن الحزب الإسلامي انفصل عن المعسكر الرافض وأيد الدستور. ويذكر أن تصويت ثلثي الناخبين في ثلاث من محافظات العراق الثماني عشرة بالرفض يعني سقوط الدستور.

و على نطاق واسع تم التصويت بـ “نعم” مع دعوة الزعماء الدينيين للغالبية الشيعية والأحزاب الكردية إلى الموافقة عليه. وتحدث الخطباء في صلاة الجمعة عن الدستور وحث بعضهم المصلين على التصويت بـ “نعم” فيما دعا آخرون إلى العكس. وقالت القوات الأميركية إنها ستظل بعيدة عن مراكز الاقتراع لتفنيد الاتهامات من جانب البعض بان الدستور يفرض تحت تهديد الاحتلال . والدستور جزء من خطة واشنطن لإقامة ديمقراطية مستقرة في العراق. وأسفرت المفاوضات التي أجراها الحزب الإسلامي العراقي مع الكتلتين الشيعية والكردية لكسب تأييد السنة للدستور مقابل وعد بتعديلات ممكنة في المستقبل. و ضمن الشيعة والأكراد الذين يمثلون نحو ثلاثة أرباع عدد الناخبين البالغ 15,5 مليون تحقيق الغالبية المطلوبة لإقرار الدستور . وفي كربلاء قال ممثل المرجع الديني السيد علي السيستاني إن التصويت بـ “نعم” مهم بالنسبة لوحدة البلاد في المستقبل. وقال الشيخ مهدي الكربلائي للمصلين إن التعاليم تؤكد دائما على وحدة العراق ووقف إراقة الدماء التي راح ضحيتها أبرياء. كما جدد رئيس إقليم كردستان مسعود البرزاني دعوته للأكراد إلى التصويت بـ “نعم” على الدستور الذي يضمن مطالبهم ولاسيما ما هو متعلق بالنظام الفيدرالي. وأوضح انه “إذا لم يحصل الدستور على الغالبية فان المسودة ستعاد كتابتها مرة أخرى ولهذا فان لدينا مخاوف لأنه من غير المؤكد أن نحصل على النسبة الحالية من مقاعد البرلمان في الانتخابات المقبلة”.

المراجع الدينية الشيعية يدعون الى التصويت بنعم على الدستور العراقي

دعا ثلاثة من كبار المراجع الدينية في النجف الاشرف ‏هم اية الله علي السيستاني واية الله محمد سعيد الحكيم الطبطبائي ‏ واية الله اسحاق الفياض الى التصويت “بنعم” على الدستور العراقي ‏الجديد.‏ و ان المرجع الديني الاعلى السيد علي السيستاني دعا الى التصويت بنعم على الدستور ‏العراقي في الاستفتاء في ال15 من اكتوبر – 2005 صرح السيد أحمد الصافي ممثل المرجع الأعلى آية الله العظمى علي الحسيني السيستاني ,الكلمة التالية معبراً عن رأي المرجعية العليا في الدستور:

( بسمه تعالى. على المؤمنين أن يذهبوا بكثافة إلى صناديق الاقتراع للتصويت على الدستور بنعم ، والصورة أصبحت الآن واضحة جداً والتعديلات التي حدثت تقطع الحجة على الجميع والمرجعية العليا في النجف الأشرف تحث المؤمنين على التصويت بنعم ) .

و اعلن امام الجمعة وكيل السيد السيستاني الشيخ عبد المهدي الكربلائي مايلي: سماحة السيد حفظه الله يحث العراقيين على المشاركة المكثفة بعملية الاستفتاء والتصويت بكلمة نعم على مسودة الدستور المستفتى عليها.‏ و ان مكتب السيستاني اوصى وكلاءه بالدعوة الى التصويت بنعم على الدستور ‏.‏كما دعا المرجع الديني اية الله العظمى محمد سعيد الحكيم ‏ الطبطبائي العراقيين الى التصويت على الدستور ‏ الجديد.‏ ورأى الحكيم الطبطبائي ان مسودة الدستور المنجزة هي افضل ما يمكن الوصول اليه ‏ قائلا “قطع العراقيون بنجاح شوطا طويلا من أجل اعداد ‏ الدستور الدائم ومسيرة البلد نحو الاستقرار ونتيجة الاوضاع المعقدة في العراق ‏ انتهت مسودة الدستور الى أفضل ما يمكن الحصول عليه من حقوق”.‏ واكد الطبطبائي “عليهم ان يتموا الشوط ويبادروا للتصويت عليه ليسدوا بذلك ‏ الطريق على من يحاول ايقاف الدستور ورده من أجل عرقلة سير العراق نحو الاستقرار ‏وارجاع عجلته الى الوراء وهدر ما قام به العراقيون من جهود جبارة وقدموه من ‏ تضحيات جليلة ولتبقى المبررات والبيئة المناسبة للارهاب كما يبقى العراق في دوامة ‏ الاضطراب والقلق والتذبذب الى أمد غير معلوم قد ينتهي بمأساة حقيقية”.‏ – وقال “ينبغي للعراقيين أن يستفيدوا من التجربة الماضية والمخاض العسير ‏الذي مروا به في التمييز بين العاملين المخلصين الذي يضحون بمصالحهم الشخصية من ‏ أجل صالح البلد وأهله والانتهازيين الذين لا يعرفون الا مصالحهم الضيقة”.‏  واوصى المرجع الديني اية الله اسحاق الفياض ‏ بالتصويت بنعم على مسودة الدستور العراقي الجديد.وقال ان مسودة الدستور الدائم للعراق وان كانت لا تتناسب ومكانة العراق ‏ الاسلامية وحضارته الدينية العريقة على مر التاريخ الا انها تلبي طموحات الشعب ‏ العراقي بكل اطيافه وشرائحه وأديانه.‏ واضاف “لهذا ندعو الشعب العراقي بكل مكوناته وطوائفه المشاركة بقوة في ‏ الاستفتاء على الدستور وبكلمة (نعم) لضمان حقوقهم وحرياتهم ومستقبل اجيالهم ‏ وتوحيد الكلمة وهزيمة الارهاب والارهابيين”.‏

ابرز المواد المثيرة للجدل من الدستور العراقي

هنالك جملة من القضايا التي لم يحسمها الدستور الجديد و التي تطفو على السطح غالباً المشاكل التي تسببها مما يتطلب إعادة النظر بالدستور الجديد بكل مفاصله. لا يزال الشيعة و الاكراد يرفعون شعار المظلومية أثناء الحديث عن قضايا الهوية ودور الدين والصلاحيات الممنوحة للأقاليم والمحافظات ,على الرغم من تشبثهم بحكم العراق الجديد بعد احتلال العراق في ٩\٤\٢٠٠٣ و الى يومنا هذا. هنالك ثلاثة قوانين غالباً ما تثير المشاكل بين كافة الاطراف التي تتناحر بينها على حكم العراق و تفسير المواد الدستورية حسب ما تراه مناسباً لتطلعاتها و مصالحها الشخصية و ليست المصلحة العامة للعراق :

 

1- المادة 140 من الدستور العراقي

مادة دستورية أقرت بعد الغزو الأميركي للعراق عام 2003 لحل قضية كركوك، وما تسمى المناطق المتنازع عليها، ويطالب الأكراد بتنفيذها، في حين يعترض العرب والتركمان على ذلك. تضمن قانون إدارة الدولة العراقية الذي كتب في عهد الحاكم المدني للعراق الأميركي بول بريمر عام 2003 المادة 58 الخاصة بتطبيع الأوضاع في محافظة كركوك. وبسبب عدم التوصل إلى حلول تقبل بها جميع أطراف النزاع في كركوك (الأكراد والعرب والتركمان) خلال الأعوام 2003 و2004 و2005، فقد انتقلت هذه القضية إلى الدستور الذي تم الاستفتاء عليه في 15 أكتوبر/تشرين الأول 2005. وحدد دستور 2005 المادة 140 كحل لمشكلة كركوك وما يسمى المناطق المتنازع عليها بين إقليم كردستان والمحافظات المجاورة له (نينوى وديالى وصلاح الدين).

وتعرف لجنة تنفيذ المادة 140 من دستور جمهورية العراق المناطق المتنازع عليها في العراق بأنها تلك التي تعرضت للتغيير الديمغرافي ولسياسة التعريب على يد نظام صدام حسين، وذلك خلال فترة حكمه من عام 1968 حتى إسقاطه خلال الغزو الأميركي في أبريل/نيسان 2003.

ونصت المادة على آلية تضم ثلاث مراحل: أولاها التطبيع، ويعني علاج التغييرات التي طرأت على التركيبة السكانية في كركوك والمناطق المتنازع عليها في عهد نظام صدام وبعده، والثانية الإحصاء السكاني في تلك المناطق، وآخرها الاستفتاء لتحديد ما يريده سكانها، وذلك قبل 31 ديسمبر/كانون الأول 2007.

وشكلت لجان لتطبيق أحكام المادة 140، في ظل حكومة إبراهيم الجعفري، أسندت رئاسة اللجنة إلى حميد مجيد موسى، ولما جاء نوري المالكي إلى الحكومة شكلت لجنة أخرى برئاسة وزير العدل السابق هاشم الشبلي، لكنه استقال من منصبه، ثم حل محله رائد فهمي (أغسطس/آب 2007 – يونيو/حزيران 2011).

وأسندت رئاسة اللجنة التي أعيد تشكيلها في أغسطس/آب 2011 إلى هادي العامري وزير النقل في حكومة المالكي، لكن الأحزاب العربية بكركوك اعترضت على تعيين هذا الرجل.

وبسبب التعقيدات المتعددة، فنية وسياسية، وخاصة بشأن محافظة كركوك، لم تجد المادة 140 طريقها إلى التطبيق من قبل الحكومات العراقية المتعاقبة، وتحولت هذه المادة الدستورية إلى مثار جدل متواصل بين مختلف الأطراف، سواء بشأن قانونيتها أو لأسباب أخرى. يعتبر الأكراد أن المادة 140 هي خريطة الطريق الوحيدة لحل مشكلة كركوك والمناطق المتنازع عليها، وظل قادة إقليم كردستان يطالبون بتطبيقها في مختلف الأوقات، ولكنهم بموازاة ذلك عملوا على فرض الأمر الواقع في تلك المناطق، مستغلين الظروف الصعبة التي يمر بها العراق.واعتبر رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البارزاني في مؤتمر صحفي في أربيل في 27 يونيو/حزيران 2014 أن المادة 140 من الدستور العراقي قد “أنجزت وانتهت، ولن نتحدث عنها بعد الآن”، وذلك بعد دخول قوات البشمركة المناطق المتنازع عليها، وقال “لقد صبرنا عشر سنوات مع الحكومة الاتحادية لحل قضية المناطق المتنازعة وفق المادة 140، لكنها كانت دون جدوى”.

ومن جهته، طالب الرئيس العراقي فؤاد معصوم  في مارس/آذار 2017 الحكومة الاتحادية بالبدء في تطبيق المادة 140 والقيام بكامل واجباتها في هذا الشأن”. وتعد كركوك من المناطق المتنازع عليها وفق المادة 140، وهي محل نزاع كبير في العراق بسبب تركيبتها السكانية المعقدة، وسيطر عليها الأكراد في يونيو/حزيران 2014 بعد أن اجتاح تنظيم داعش الارهابي أجزاء كبيرة من شمال وغرب البلاد.

ورغم اعتراض العرب والتركمان الذين يقطنون كركوك، أدرجت سلطات إقليم كردستان هذه المحافظة ضمن استفتاء الانفصال عن بغداد، الذي جرى في 25 سبتمبر/أيلول 2017، وهو الاستفتاء الذي رفضته الحكومة العراقية “لعدم توافقه مع دستور 2005″، كما رفضته تركيا وإيران . حيث يعترض العرب والتركمان من جهتهم على المادة 140 من الدستور العراقي وحجتهم أن سقفها الزمني انتهى في ديسمبر/كانون الأول 2007، وبالتالي فهي كما يرون بحاجة إلى تعديل دستوري. ويتهمون في المقابل الأحزاب الكردية بجلب مئات الآلاف من الأكراد للسكن في تلك المناطق لتغيير هويتها الديمغرافية، ويتخوفون من احتمال ضم محافظة كركوك الغنية بالنفط إلى إقليم كردستان.

2- قانون اجتثاث البعث وقانون المساءلة والعدالة

و التي تستتهدف المكون السني على وجه الخصوص, تم إنشاء «الهیئة الوطنیة العلیا لاجتثاث البعث» بقانون صادر عن سلطة الاحتلال الأمريكي برئاسة الحاكم الأمريكي بول بريمر بتاريخ 16 نیسان/أبريل 2003 بهدف إنهاء تأثير حزب البعث في العراق وإبعاد قیاداته وأعضائه عن مواقع السلطة وأي مواقع وظيفية واجتماعية وفرض عقوبات متنوعة على أعضائه. وتدار هيئة الاجتثاث من قبل الأحزاب التي كانت في المعارضة ضد النظام السابق لتنفيذ القانون الذي إدى إلى اقصاء الآلاف من الكفاءات والإمكانيات العلمية والفنية والعسكرية في الدولة لمجرد الانتماء إلى حزب البعث رغم عدم ارتكابهم لأي جريمة جنائية. وقدر بريمر عدد أعضاء البعث المشمولين بالتطهير بـعشرين ألفا (بدرجة عضو فرقة فما فوق) ولكن المصادر المطلعة تؤكد ان المشمولين بالاجتثاث يصل عددهم إلى حوالي 700 ألف عضو، حيث تم لاحقا شمول الأعضاء العاملين أيضا بإجراءات الاجتثاث. علما ان التقديرات تشير إلى ان عدد أعضاء حزب البعث في العراق قبل 2003 وصل إلى عدة ملايين.

ولاحقا أصدر البرلمان الذي تسيطر عليه الأكثرية الشيعية، قانون «هيئة المساءلة والعدالة» رقم 10 لسنة 2008 الذي وسع المشمولين بالاجتثاث، كما فرض عقوبات جديدة منها الاستيلاء على الممتلكات، وهو الأمر الذي عدته القوى السنية والوطنية، بأنه سلاح للانتقام ولتصفية الخصوم وابتزاز المشمولين بالقانون، وانه يتعارض مع دعوات «المصالحة الوطنية» . وإضافة إلى تضمين الدستور العراقي الصادر عام 2005 بنودا حظرت أي نشاط لحزب البعث العربي الاشتراكي وأعضائه ، فقد أصدر البرلمان قانون حظر حزب البعث رقم 32 لسنة 2016 لمنعه نهائيا، الآن وفي المستقبل، من المشاركة في أي نشاط سياسي واجتماعي في العراق.

واعتادت هيئة «المساءلة والعدالة» إصدار قوائم الفصل بين آونة وأخرى، ومن ذلك القائمة التي نشرتها عام 2010 وتضمنت أسماء 376 ضابطاً في الشرطة والجيش، بحجة تورطهم في أعمال عنف أو الاتصال بالبعثيين، وبينهم قادة كبار من هيئة الأركان والألوية تولوا مهمات أساسية في بغداد وباقي المحافظات طوال السنوات السابقة، وكان لبعضهم دور في محاربة تنظيم «القاعدة» و«داعش» وأبرزهم قائد القوات البرية الفريق الركن رياض جلال توفيق، وقائد عمليات دجلة اللواء الركن عبد الامير الزيدي وقائد شرطة الأنبار السابق اللواء احمد الدليمي وخليفته اللواء كاظم الفهداوي، وغيرهم الكثير. كما وجهت قوى سياسية اتهامات إلى هيئة الاجتثاث، بانها أرسلت أسماء البعثيين وعناوينهم إلى إيران لتصفيتهم من قبل بعض الميليشيات الشيعية. ويؤكد المراقبون، ان القوى السياسية المتحكمة في السلطة في عراق ما بعد 2003 جعلت عملية اجتثاث البعث، سيفا للانتقام من عناصر الحزب أو الذين يشكلون تهديدا للسلطة أو لمساومة بعضهم على المواقف، في وقت يعتقد الكثير من العراقيين ان إزالة تأثير حزب البعث من المجتمع العراقي ليس بهذه السهولة وعبر العقوبات والاقصاء ، وبالتالي يتطلب الأمر عقد مصالحة وطنية تستثني من ارتكب الجرائم، وتحفظ حقوق الآخرين، بدل سياسة الاقصاء والتهميش والانتقام. اما قيادة الاحتلال الأمريكي وبالرغم من انها أصدرت بعد احتلال العراق عام 2003 قانون اجتثاث البعث، بهدف إبعاد قيادات النظام السابق وأعضاء حزب البعث الكبار عن مواقع السلطة، إلا ان تطبيق القانون أثار حفيظتها لاحقا. فقد انتقد القائد الأسبق للقوات الأمريكية في العراق بترايوس، عمل هيئة الاجتثاث التي توسعت في شمول أعداد كبيرة من البعثيين ضمن قوائم الاجتثاث بشكل غير عادل، بينما أكد الجنرال راي أديرنو، القائد العسكري الأسبق للجيش الأمريكي صراحة إن «رئيس هيئة الاجتثاث الأسبق أحمد الجلبي، ورئيسها اللاحق علي اللامي، مرتبطان بفيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني» كما تحدث السفير الأمريكي لدى العراق كريستوفر هيل عن «أن إيران تتدخل بشكل مباشر لاستبعاد مرشحين عراقيين مناوئين لها عن طريق الهيئة، وأن نتائج الانتخابات ستحدد ما إذا كان العراق سيظل صديقا للولايات المتحدة، أو يتحول إلى حليف لإيران».واعتبر وزير الخارجية البريطاني السابق فيليب هاموند، في لقاء نشر في صحيفة الغارديان بتاريخ 7/7/2016 «أن العديد من القضايا التي نراها اليوم جاءت بسبب القرار المأساوي لتفكيك الجيش العراقي وإطلاق برنامج اجتثاث البعث، واعتبر ذلك خطأ في التخطيط لما بعد النزاع المسلح».

3- المادة ٤ ارهاب

و التي تسمى ايضاً بالأوساط الشعبية ( مادة ٤ سنة)لأنها تستتهدف المكون السني على وجه الخصوص. تقع المادة ٤ إرهاب ضمن ستة مواد في قانون مكافحة الإرهاب الذي أقرّته الجمعيةُ الوطنيةُ العراقية رقم (13) لعام 2005 في العراق و وقعه جلال الطالباني وغازي عجيل الياور وعادل عبدالمهدي ، وهذه المادة هي الصفحة التي تدور حولها الأزمة السياسية في العراق بين فترة و اخرى . وتعتبر المادةُ الرابعة من القانونِ هي الاكثرُ رواجاً واستخداماً في القضاءِ العراقي.. وتحتوي على بندين أطلقَ عليهما “العقوبات”.

الأول يُعاقبُ بالإعدامِ كل من ارتكبَ بصفتِهِ فاعلاً أصلياً أو شريكاً في الأعمالِ الارهابية، ويُعاقبُ المحرضُ والمخطط والممولُ وكلُ من مكن الإرهابيينَ من القيامِ بالجريمةِ كفاعلٍ أصلي .

أما البند الثاني فينص على العقابِ بالسجنِ المؤبدِ على كلِ من أخفى عن عمد أي عملٍ إجرامي أو تستَّرَ على شخص إرهابي .

تمت صياغة هذا القانون بطريقة تسمح بمحاكمة أي شخص يخالف النظام السياسي القائم  , وطالبت اللجنة الدولية الحكومة في العراق مرارا بإعادة النظر بالقانون وتخليصه من الضبابيه, وصياغة آلية لمكافحة الإرهاب في القانون العراقي وإقتراح  احكام مضبوطة وتعريفات دقيقة للأعمال ألأرهابية لكي لاتنزلق مستقبلا في محاكمات سياسية للمعارضين وهوما يجري الآن ، وقالت أللجنة ((ان هناك أحكام قضائية لاسيما في المادة الرابعة تتيح تأويلات واسعة من شانها أن تهدد الحريات العامة)) .ولعله من المفيد الذكر بأن ابتعاد هذا القانون عن مباديء القانون الدولي وعن قبول المنظمات الدولية فيه يعني وجود مدعاة جدية لإعادة النظر به أوألغائه , أما الحكومة العراقية فقد انقطعت عن إرسال التقارير لتلك اللجنة لفترات طويلة ولم تنظم للكثير من الاتفاقيات الدولية التي قامت لمكافحة ألإرهاب رغم أن الموضوع يتعلق بالشعب وتحقيق  امنه، وضمان حريته وممارسة حقه في الحياة والحرية.

الغريب في الأمر إن القانون حدد جرائم الإرهاب بالمادة الثانية وحدد جرائم امن الدولة بالمادة الثالثة وجاءت المادة  الرابعة لتضع عقوبة الإعدام على الجريمتين علما إن جرائم امن الدولة لها وضعها الخاص وليست إرهابا ولاينطبق عليها وصف الإرهاب مطلقا ولا تحتاج الى قانون خاص بها بل تدخل في الباب الجنائي ففيها مثلا(كل فعل يتضمن الشروع بالقوة اوالعنف في قلب نظام الدولة )) أو ((تحريك قطعة عسكرية دون أمر ,وهذه ليست أفعال إرهابية بل هي جريمة جنائية تتعلق بأمن الحكومة وقانون العقوبات البغدادي وتعديلاته وضع عقوبات صارمة لها .

اوجه قصور الدستور

– من اوجه قصور الدستور , انه لم تكن رئاسة لجنة كتابة الدستور من ذوي الاختصاص في القانون الدستوري . و مما عزز من اوجه هذا القصور ان اغلب اعضاء اللجنة لا يمتلكون تخصصًا في القانون الدستوري ايضا . لذلك نلحظ عدم الدقة في اللغة و في استعمال المفاهيم و المصطلحات الدستورية . و اتسمت تلك النصوص احيانًا بالمصطلحات العاطفية او الميول السياسية او المذهبية او العرقية .

– وكذلك خلو لجنة كتابة الدستور من تمثيل رسمي للسنة العرب برغم انهم يمثلون مكونا فاعلا في ارث الدولة العراقية . اذ ان اضافة خمسة عشر عضوا من اهل السنة العرب الى اللجنة لم يكن كافيا من حيث العدد و من حيث انعدام الصفة الالزامية لتصويتهم باحتساب انهم من خارج البرلمان .

– و تدني مستوى الثقافة الديمقراطية , و ثقافة التأسيس لدى اغلب النخب السياسية, ترك اثرًا واضحًا في قصور الدستور و اضفاء المصطلحات العاطفية على ملامحه .

– ضعف الثقافة الشعبية الدستورية احيانا , و عدم الاكتراث بالدستور احياناً اخرى , ادى الى قصور واضح في الدستور . حيث لم يعترض الشعب على اي مادة اساسية , و لم يفرض اي مادة اساسية , بل مررت عليه عدد من النصوص الدستورية التي الحقت الضرر به .

– شكل اداء القوى الكردية احد اوجه القصور في الدستور لأنهم في الوقت الذي كانوا يكتبون الدستور , بيد ان اعينهم شاخصة نحو مشروع الدولة الكردية المستقلة , و العمل على توفير المقدمات المطلوبة للدولة الكردية من خلال الدستور ذاته . من هنا نجحوا في تثبيت مبدأ ازدواجية اللغة في المخاطبات الرسمية حسب ( المادة 4 من الدستور) . و نجحوا في التأسيس لفدرالية هشة قريبة من الكونفدرالية حسب ( الباب الخامس – الفصل الاول ) . و اسسوا لوحدة وطنية هشة لا ترتكز الا على الدستور حسب ( المادة 1 ) , و التي نصت على احتساب الدستور الضامن الوحيد لوحدة العراق , برغم ان وحدة العراق اعمق من ذلك بكثير .

– اسهمت القوى الشيعية ايضا في وضع نصوص ادت الى احداث قصور واضح في الدستور , منها :

1 – اسهمت في الغاء النصوص المتواترة في الدساتير العراقية كافة و التي تحتسب العراق جزءًا من الامة العربية برغم ان نسبة السكان العرب في العراق تصل الى نحو 80 % . و هذا الحذف احدث سلبيات عدة منها :

أ – افضى الى عزلة العراق عن حاضنته العربية .

ب – احدث شرخا في هوية العراق الطبيعية  .

2 – تأييد دولة المكونات بدلا من دولة المواطنة ( المادة 3 من الدستور) , افضى الى صراعات اجتماعية متعددة الحقت ضررا كبيرا في السلم الاجتماعي و الاستقرار السياسي .

3 – اعتماد المعايير المذهبية في قضايا الاحوال الشخصية حسب ( المادة 41 و 43 من الدستور) بدلا من المعايير الاسلامية الجامعة ادى الى انشاء اوقاف دينية متعددة , الامر الذي افضى الى نزاعات حول الكثير من الاوقاف الاسلامية .

4 – تأييد الاتجاه الكردي الرامي الى اضعاف السلطة الاتحادية و تقوية سلطات الاقاليم اسهم في ضعف الصلاحيات المناطة بالسلطة الاتحادية . برغم ان العراق بحاجة ماسة الى حكومة اتحادية قوية لتكون قادرة على الحفاظ على وحدته الوطنية . ان هذا المنحى ادى الى قصور واضح في الدستور .

– تغليب النزعة الدينية على عدد من مواد الدستور بحيث جعلته مشلولاً ومتعارضاً مع الديمقراطية، خاصة في مادته الثانية التي تنص على: أ ـ لا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت احكام الإسلام. ب ـ لا يجوز سن قانون يتعارض مع مبادئ الديمقراطية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Array ( [marginTop] => 100 [pageURL] => [page] => [width] => 292 [height] => 300 [alignment] => left [color_scheme] => light [header] => header [footer] => footer [border] => true [scrollbar] => scrollbar [linkcolor] => #2EA2CC )
Please Fill Out The TW Feeds Slider Configuration First